Comments system

111

أهلا وسهلا بكم في وادي سوف الأصيل ***وادي سوف الأصيل ***

28 يونيو 2012

صفحات من الذاكرة : وادي سُوف دراسة عامة ج1

مقدمة :
بينما أنا أتصفح بعض المواقع عثرت على هذه الدراسة  بعنوان "سلسلة دراسات حول الصحراء : سُوف" ( Série monographies : Sahara  Le Souf) التي نشرت بتاريخ 10 مارس 1951 من إعداد أحد الضباط الفرنسيين يدعى "القائد فيري" (Commandant Ferry) و التي  تؤرخ لبعض خصاص و مميزات المنطقة في أواخر الأربعينات و بداية الخمسينات من القرن الماضي.
ومع أن هذه الدراسة قد تطرقت  بشكل إحصائي و إجمالي في بعض الأحيان و عابر في أحيان أخرى لأهم الخصائص الطبيعية للمنطقة في تلك الفترة "الخمسينات"  و تطرقت لأهم  القبائل و الأعراق التي استقرت فيها في فترات متعاقبة ولأهم مميزات و خصاص المجتمع السُوفي و ظروف معيشة السكان.
 إلا أن هذه الدراسة تبقى دراسة استشراقية ركزت على جوانب و أهملت جوانب أخرى حسب أهواء مؤلفها و رغبة قارئيها من الفرنسيين في ذلك الوقت و الله أعلم ...
لكن لعل الشيء المهم في هذه الدراسة أنها تقدم لنا بعض المعلومات الاحصائية التقريبية  التي جمعتها سلطات الاحتلال الفرنسي في ذلك الوقت عبر ملحقة الوادي عن المنطقة .
و نظرا لطول هذه الدراسة نوعا ما فقد إرتأيت تقسيمها إلى جزأين خصصت الجزء الأول منها لنظرة عامة على وادي سوف في بداية الخمسينات من القرن الماضي و خصصت الجزء الثاني لمكونات و قبائل وادي سوف في تلك الفترة و أصول و مميزات كل مكون منهم .
  قبل أن نبدأ في استعراض هذه الدراسة أود أن أعتذر لكم مسبقا عن بعض الأخطاء الغير مقصودة و الناجمة عن الترجمة الحرفية لبعض الكلمات و الجمل المبهمة و التي قد لا توصل المعنى بشكل دقيق كما في النص الأصلي .
                  الجزء الأول : وادي سُوف  نظرة عامة
« لقد عشت لعدة أشهر في هذه البلاد ... أستطيع أن أتكلم ... رؤيتي الأولى للوادي كانت كالوحي الكامل بالنسبة لي ... في النهاية هذه البلاد الوعرة  والجميلة هي سُوف ... فجمالها غريب غريب ... و فيها حزن شديد...»   إيزابيل ايبراهاردت  (في ظلال الاسلام الدافئة)
تمهيد :
 لم يعد سُوف ذلك البلد الغير معروف فيمكن لعدد متزايد من السياح الوصول الى هناك بسياراتهم الشخصية فالمهم  أن  تكون هذه السيارات قوية . و لديهم أيضا خيار الركوب في الحافلات التي تقدم خدمة يومية بين بسكرة والوادي ، فعلى الرغم من سوء حالة الطريق إلا أنه منذ زمن غير بعيد كانت الرحلة إلى وادي سُوف أكثر صعوبة، عن طريق الجمال أو الأحصانة التي  تكمل مسيرتها من بسكرة أو تقرت.
 ففي  العام 1899  أتت الفارسة الأوربية "إيزابيل إيبرهارد" (ISABELLE EBERHARDT) إلى  سُوف حيث التقت  أحد ضباط الصف  "مصطفى هني " الذي تزوجته فيما بعد وخلال زيارة قامت بها  إيزابيل إيبرهارد إلى قرية "البهيمة"  (Behima) قرب الوادي  و في أحد بساتين النخيل ، تلقت  ضربة بحد السيف من أحد المتعصبين فأصيبت بجراح خطيرة  لكن ذلك لم يؤثر في حبها للمنطقة و سكانها فقد تأثرت  كثيرا  بالكثبان الرملية الحارقة والقباب و كتبت  صفحات عدة مشبعة  بمشاعر و أحاسيس الحب لسُوف و أهلها.
"أندريه جيد" (André Gide ) نفسه، جاء إلى وادي سُوف  عن طريق الإبل و أحبها، و عندما عاد  إليها بواسطة السيارة، في أبريل  1942، ورفع لنا رحلته في العصر البطولي.
 دراسة أخرى مهمة، حول سُوف ، نشرت في عام 1947 من قبل القائد "كوفت" (Cauvet) وقدمت العديدا من الأوصاف حول هذه المنطقة ، دون أن نهمل تلك الدراسات الخاصة التي أعدت من قبل ضباط  شؤون السكان الأصليين.
كما نشر السيد "ديرمينغيرن" (M. Dermenghern)،أمين المكتبة العامة للحكومة، في  مارس 1949 مقالاً في "مجلة العلوم والأسفار"  بعنوان " سُوف بلاد غريبة وجميلة" (Le Souf pays étrange et magnifique).
قبل البدأ تجدر الاشارة إلى أنه قد تم في هذه الدراسة الاعتماد على الوثائق والأرقام  الجزائرية  والتي  منها على وجه الخصوص منجزات "ملحقة الوادي" (أنظر السلسلة الاقتصادية رقم 021).
نعتقد أننا قد أثبتت الآن  بما فيه الكفاية أن وادي سًوف الآن لم يعد ذلك البلد الغير معروف.
 فهي  تقع إلى الجنوب من بسكرة، و إلى الشرق من تقرت، و إلى الغرب من نفطة "بتونس"
ففي ملحق الوادي يعيش المسلمون  في سُوف  و ينتشرون  فيها  على امتداد 80.000 كيلومترا مربعا  على طول الحدود التونسية
إلى  نواحي  "غدامس"، على طول أكثر من 500 كيلو مترا.
 ويتكون اقليم وادي سُوف في جزئه الشمالي من منطقة صخرية، تغطيها بعض الخضرة وكتل متفرقة من الغبار الذي لا يتوقف.
 كما يوجد حولها  شطوط  مهجورة وقاحلة كشط ملغيغ الذي  يعد  الأكبر.
 ثم تمتد الكثبان الرملية من العرق الشرقي ، متشابكة متراصة و منخفضة ثم تزداد في العلو ، تضغط بعضهما البعض، و مفصولة بممرات عميقة على نحو متزايد كلما اتجهنا نحو الجنوب فهي تشبه  البطاقة البريدية للصحراء الكلاسيكية المتعرف عليها و التي تعجب السياح  فالسماء الزرقاء والشمس الساخنة، والجمال التي تسير ببطء و تناسق عبر كتل من الرمال الناعمة الصافية و المتموجة بفعل  الرياح.
  أما الواحات فتظهر على الخريطة على امتداد الثلث العلوي من ملحق الوادي كأنها بقع خضراء على امتداد فروع الوادي الذي كان يجري في المنطقة قديما و الذي أخذت وادي سُوف تسميتها منه فبما بعد .

 إنه بلد أصيل :
أما بساتين النخيل "الغيطان" فهي في الأصل عبارة عن حفر عميقة  و واسعة في الرمال تصل إلى مستوى المياه الجوفية فتغرس شجيرات النخيل بالقرب من هذه المياه و تصبح جذورها في الماء فلا تحتاج إلى السقي و الري .
لكن ذلك يتطلب وجود أعمال صيانة دائمة لهذه البساتين لابعاد الرمال التي تغزوها بفعل الرياح فيقوم الفلاحون برفع هذه الرمال إلى أعلى البساتين  بواسطة سلال من جريد النخل على ظهورهم أو على ظهور الحمير و تستمر هذه المعركة الضارية بين الإنسان و الطبيعة القاسية .
إن أشجار النخيل في سُوف غير مرئية تقريبا على سطح التربة لكن عند التحليق بالطائرة في الجو تجد حوالي 400.000  نخلة قد زرعت بجهد وعناء كبير.
في الأصل يعيش السكان بالقرب من بساتين النخيل و قد  بنى السوافة منازلهم بشكل معماري نادر و غريب  فمواد البناء موجودة في موقع البناء و تتمثل هذه المواد في الجبس ذو البلورات المتفاوتتة النقاء و نوع من الحجارة المحلية ذات أشكال متنوعة  تدعى وردة الرمال (roses de sable). الجبس ذو النوعية الممتازة الذي يستخدم كمادة لتماسك البناء يتم الحصول عليه عبر طهي كتل من الحجارة البيضاء التي يتم استخراجها من محاجر منتشرة في كل الأماكن أما الوقود المستخدم في عملية الطهي فهو عبارة جذوع و جذور الأشجار الصحراوية التي يجلبها البدو من الصحراء.
و قد دفعت ندرة الأخشاب و الأعمدة بالبنائين لابتكار طريقة نموذجية في بناء القباب فيربطون خيطا برأس المسمار الذي يتجسد في مركز هندسي محسوب بعناية  فيشكل هذا الخيط نصف قطر الدائرة لهذه القبة. كما يلاحظ أنه لم يتم تقليد النماذج المستخدمة في المناطق الأخرى.

ولعل الشيء الملاحظ  و أنت تتجول في أقدم المراكز، كالوادي ( El-Oued)،  و تغزوت  (Taghzout) و قمار  (Guémar) و الزقم ( Z'Goum)، أن السوافة قد انتشروا  كانتشار  النحل  في الربيع  فقد بنيت القرى الجديدة  كالرقيبة (Reguiba) و البهيمة (Béhima)  و  ورماس  (Ourmes)  و المقرن  (Magrane) ، و البياضة (Bayada)، على سبيل المثال لا الحصر. حيث المساجد ذات المآذن الأنيقة التي تتوسط مجموعات من المنازل المدمجة مع الجدران الفارغة.
إنه بلد فقير :
 يربى في سُوف  ما يقرب من 10.000 من الإبل و 40.000 من الأغنام و 40.000 من الماعز و هذا ما يسمح للبدو على البقاء على قيد الحياة ويتمتعون  بسهولة نسبية في العيش خصوصا عندما تسقط الأمطار في فترات مواتية لنمو المراعي. لكنهم قد يتأثرون خلال سنوات الجفاف.
كما أن انتشار زراعة التبغ خصوصا في منطقة قمار يعطي الفلاحين نوع ما بعض  الاستقرار في العيش.
كما تقوم النساء في كل مكان ببعض الأشغال الحرفية كحياكة و نسج  الأغطية و الأفرشة و السجاد وبالتالي زيادة دخل عدد من العائلات.

 لكن يبقى بيع التمور هو الشريان الرئيسي للحياة  فمنتوج دقلة نور بسُوف يتمتع بحق بسمعة ممتازة في جميع الأسواق. لكن هذا المصدر الحيوي يبقى غير كاف بالنسبة لعدد السكان الذي يتزايد باستمرار. أيضا فعدد كبير من الرجال في سن العمل (حوالي 30 %) لديهم الرغبة في الهجرة إما للعمل بالمناجم بتونس أو للعمل بمدن التل  كقسنطينة و عنابة على وجه الخصوص.
قدر عدد سكان وادي سُوف في عام 1887 بـ  23000  نسمة  كما أن عددهم قد  تجاوز الـ  100000 نسمة في عام 1950.
                                                              يتبع ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق